خطبة الجمعة المذاعة والموزعة
بتاريخ 11 من المحرم 1448هـ الموافق 26 /6 / 2026م
خَطَرُ الْفَسَادِ عَلَى الْمُجْتَمَعَاتِ وَالْأَفْرَادِ
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: ١٠٢ ]، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70، 71] .
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
لَقَدْ بَعَثَ اللهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَانْدِرَاسٍ مِنَ الْكُتُبِ، فِي أُمَّةٍ غَارِقَةٍ فِي جَاهِلِيَّةٍ جَهْلَاءَ، وَضَلَالَةٍ عَمْيَاءَ، لَا تُمَيِّزُ بَيْنَ حَقٍّ وَبَاطِلٍ، وَلَا تُفَرِّقُ بَيْنَ مَعْرُوفٍ وَمُنْكَرٍ؛ قَالَ تَعَالَى: { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2]. فَهَدَى اللهُ بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَبَصَّرَ بِهِ بَعْدَ الْعَمَى، فَزَكَتْ بِاتِّبَاعِ دَعْوَتِهِ النُّفُوسُ، وَاسْتَقَامَتْ بِدِينِ الْإِسْلَامِ الْقُلُوبُ. وَإِنَّ مِنْ أَهَمِّ مَبَادِئِ الْإِسْلَامِ الْكِرَامِ، وَتَعَالِيمِهِ الْعِظَامِ، الَّتِي جَاءَتْ بِهَا بِعْثَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤَكِّدَةً لَهَا، وَمُحَذِّرَةً مِنْ مُخَالَفَتِهَا: تَحْرِيمَ الْبَغْيِ وَالْفَسَادِ، وَوُجُوبَ مُحَارَبَتِهِمَا؛ قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 56]، وَقَالَ تَعَالَى: { وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205]. قَالَ مُجَاهِدٌ رَحِمَهُ اللهُ: (إِذَا سَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، مَنَعَ اللهُ الْقَطْرَ - أَيِ: الْمَطَرَ -، فَهَلَكَ الْحَرْثُ وَالنَّسْلُ).
مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ:
لَقَدْ حَذَّرَ اللهُ سُبْحَانَهُ مِنَ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَذَمَّهُ بِجَمِيعِ الْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ: مِنْ إِفْسَادِ النُّفُوسِ، وَالْأَنْسَابِ، وَالْأَمْوَالِ، وَالْعُقُولِ، وَالْأَدْيَانِ؛ وَعَدَّهُ مِنْ كَبَائِرِ الْآثَامِ، وَجَعَلَ مُرْتَكِبِيهِ مُسْتَحِقِّينَ لِلَّعْنَةِ وَالْوَعِيدِ بِعَذَابِ ذِي الْعِزَّةِ وَالِانْتِقَامِ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25].
أَلَا وَإِنَّ أَخْطَرَ صُوَرِ الْإِفْسَادِ، وَأَبْلَغَهَا شَرًّا عَلَى الْمُجْتَمَعَاتِ وَالْأَفْرَادِ: إِفْسَادُ عَقَائِدِ النَّاسِ، وَالتَّلْبِيسُ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ، بِنَشْرِ الْبِدَعِ، وَالتَّرْوِيجِ لِلْفِسْقِ وَالْفُجُورِ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11]. قَالَ مُجَاهِدٌ رَحِمَهُ اللهُ: (إِذَا رَكِبُوا مَعْصِيَةَ اللهِ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَا تَفْعَلُوا كَذَا وَكَذَا، قَالُوا: إِنَّمَا نَحْنُ عَلَى الْهُدَى مُصْلِحُونَ).
مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ:
أَلَا وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِتَنِ خَطَرًا، وَأَشَدِّ الْآفَاتِ ضَرَرًا، آفَةَ الْفَسَادِ الْمَالِيِّ الَّتِي حَذَّرَ الشَّرْعُ مِنْ سُوءِ عَاقِبَتِهَا، وَوَخِيمِ أَثَرِهَا؛ قَالَ تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 28]. وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ». [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ].
وَمِنْ صُوَرِ الْفَسَادِ الْمَالِيِّ انْتِشَارُ الرِّشْوَةِ، فَمَا انْتَشَرَتِ الرِّشْوَةُ فِي مُجْتَمَعٍ إِلَّا أَفْسَدَتْ ضَمَائِرَ أَبْنَائِهِ، وَأَطْفَأَتْ نُورَ الثِّقَةِ فِي أَرْجَائِهِ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي الشَّرْعِ الْحَنِيفِ التَّحْذِيرُ الشَّدِيدُ، وَجَاءَ فِي مَنْصُوصِهِ التَّغْلِيظُ وَالْوَعِيدُ لِمَنْ تَعَاطَى الرِّشْوَةَ وَتَعَامَلَ بِهَا؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي ذِكْرِ صِفَاتِ الْيَهُودِ: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: 42]. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَقَتَادَةُ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ السُّحْتِ: (هُوَ الرِّشْوَةُ). وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ». [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ]. وَاللَّعْنُ: هُوَ الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ عَنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، فَأَيُّ رِبْحٍ يَبْتَغِيهِ، وَأَيُّ مَكْسَبٍ يَرْتَجِيهِ، مَنْ بَاءَ بِاللَّعْنَةِ، فَطُرِدَ مِنْ رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ؟.
وَالرِّشْوَةُ -عِبَادَ اللهِ- لَهَا صُوَرٌ وَأَشْكَالٌ يُلَبِّسُ فِيهَا الشَّيْطَانُ عَلَى بَعْضِ ضُعَفَاءِ الْإِيمَانِ وَالْجُهَّالِ، فَيُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا؛ لِيُحِلُّوا بِهَا الْحَرَامَ مِنَ الْمَالِ، وَمِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ: هَدَايَا الْمُوَظَّفِينَ وَالْعُمَّالِ؛ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى صَدَقَةٍ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي يَقُولُ: هَذَا لَكَ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي؟ فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
عِبَادَ اللهِ:
وَمِنْ صُوَرِ الْفَسَادِ الْمَالِيِّ: كَسْبُ الْمَالِ بِالْغِشِّ وَالِاخْتِلَاسِ وَنَحْوِهِمَا؛ قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188]. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: (مَنْ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ لَا عَلَى وَجْهِ إِذْنِ الشَّرْعِ فَقَدْ أَكَلَهُ بِالْبَاطِلِ). وَلَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ آكِلِي الْمَالِ الْحَرَامِ بِأَشَدِّ الْعِقَابِ، وَأَنْزَلَ فِيهِمْ سُورَةً تُتْلَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ تَعَالَى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ(4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 1 - 6] وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِنَّ انْتِشَارَ الْفَسَادِ لَيْسَ مُجَرَّدَ انْحِرَافٍ مَالِيٍّ أَوْ إِدَارِيٍّ، بَلْ هُوَ دَاءٌ عُضَالٌ، إِذَا ابْتُلِيَتْ بِهِ أُمَّةٌ آذَنَ بِخَرَابِهَا، وَعَجَّلَ بِذَهَابِهَا، فَمَا مِنْ حَضَارَةٍ سَادَتْ ثُمَّ تَرَدَّتْ وَبَادَتْ، إِلَّا وَكَانَ الْفَسَادُ وَالظُّلْمُ مِعْوَلَ هَدْمِهَا الْأَوَّلَ؛ قَالَ تَعَالَى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]
فَاللَّهُمَّ اكْفِنَا بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنَا بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ، بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَقَاهُ، وَعَصَمَهُ وَآوَاهُ.
مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ:
إِنَّ الْأُمَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ لَمْ تَنَلْ خَيْرِيَّتَهَا بَيْنَ الْأُمَمِ بِكَثْرَةِ عَدَدِهَا، وَلَا بِقُوَّةِ عُدَّتِهَا، وَإِنَّمَا نَالَتْهَا بِامْتِثَالِ أَمْرِ رَبِّهَا، وَالْقِيَامِ بِمَسْؤُولِيَّتِهَا؛ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ قَالَ تَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
وَإِنَّ إِنْكَارَ الْمُنْكَرِ لَيْسَ نَافِلَةً أَوْ خِيَارًا نَفْعَلُهُ مَتَى شِئْنَا، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْجَمِيعِ، وَصِمَامُ أَمَانٍ لِحِمَايَةِ سَفِينَةِ الْمُجْتَمَعِ مِنَ الْغَرَقِ، الَّتِي إِنْ خَرَقَهَا الْمُفْسِدُونَ وَالسُّفَهَاءُ، وَسَكَتَ عَنْهُمُ الْمُصْلِحُونَ وَالْعُقَلَاءُ، غَرِقُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا.
وَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى كُلِّ مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا أَوْ مَظْهَرًا مِنْ مَظَاهِرِ الْفَسَادِ أَنْ يَتَثَبَّتَ وَيَتَحَقَّقَ مِنْ عِلْمِهِ، وَلَا يَنْجَرِفَ خَلْفَ الْأَوْهَامِ وَالظُّنُونِ، ثُمَّ لِيُبَادِرْ إِلَى إِنْكَارِهِ وَتَغْيِيرِهِ بِالطُّرُقِ الْمَشْرُوعَةِ، مُمْتَثِلًا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ». [رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ].
إِخْوَةَ الْإِسْلَامِ: إِنَّ السُّكُوتَ عَنِ الْمُفْسِدِينَ، وَعَدَمَ الْأَخْذِ عَلَى أَيْدِيهِمْ؛ مُؤْذِنٌ بِعِقَابِ الْجَمِيعِ، وَنُزُولِ غَضَبِ اللهِ وَلَعْنَتِهِ عَلَيْهِمْ؛ قَالَ تَعَالَى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78، 79].
وَإِنَّ التَّعَاوُنَ فِي مُكَافَحَةِ الْفَسَادِ، وَحِمَايَةِ قِيَمِ الْمُجْتَمَعِ، وَتَعْزِيزِ نَزَاهَتِهِ، فَرِيضَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَوَاجِبٌ وَطَنِيٌّ يَلْزَمُنَا جَمِيعًا، فَعَلَيْنَا اسْتِشْعَارُ الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَالْوُقُوفُ صَفًّا وَاحِدًا فِي مُحَارَبَةِ الْفَسَادِ، وَالْأَخْذُ عَلَى أَيْدِيِ الْمُفْسِدِينَ، مُسْتَحْضِرِينَ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا، كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: «تَحْجُزُهُ - أَوْ تَمْنَعُهُ - مِنَ الظُّلْمِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ». [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ]. وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } [المائدة: 105]، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ». [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ]. وَفِي رِوَايَةٍ: « وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ«.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ أَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ كُنْ لَنَا وَلَا تَكُنْ عَلَيْنَا، وَانْصُرْنَا وَلَا تَنْصُرْ عَلَيْنَا، وَاهْدِنَا، وَيَسِّرِ الْهُدَى لَنَا، اللَّهُمَّ احْفَظِ الْكُوَيْتَ وَأَهْلَهَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَمَكْرُوهٍ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ أَمِيرَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة